محمد بن جرير الطبري

32

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته ، قالوا : لم يبق من أصناف عذابكم شيء الا قد عذبتموه ، الا الجوع والعطش ، فعذبوه بهما فعمدوا إلى بيت عجوز كبيره فقيره ، كان حريزا ، وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد ، فحصروه في بيتها فلا يصل اليه من عند أحد طعام ولا شراب فلما بلغه الجوع ، قال للعجوز : هل عندك طعام أو شراب ؟ قالت : لا والذي يحلف به ، ما عهدنا بالطعام منذ كذا وكذا ، ، وسأخرج والتمس لك شيئا قال لها جرجيس : هل تعرفين الله ؟ قالت له : نعم ، قال : فإياه تعبدين ؟ قالت : لا ، قال : فدعاها إلى الله فصدقته ، وانطلقت تطلب له شيئا ، وفي بيتها دعامه من خشبة يابسه تحمل خشب البيت ، فاقبل على الدعاء ، فما كان كشيء حتى اخضرت تلك الدعامة ، فانبتت كل فاكهة تؤكل أو تعرف ، أو تسمى حتى كان فيما أنبتت اللياء واللوبياء . قال أبو جعفر : اللياء نبت بالشام له حب يؤكل وظهر للدعامه فرع من فوق البيت اظله وما حوله وأقبلت العجوز ، وهو فيما شاء يأكل رغدا ، فلما رأت الذي حدث في بيتها من بعدها ، قالت : آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع ، فادع هذا الرب العظيم ليشفى ابني ، قال : ادنيه منى ، فادنته منه ، فبصق في عينيه فابصر ، فنفث في أذنيه فسمع ، قالت له : اطلق لسانه ورجليه ، رحمك الله ! قال : اخريه ، فان له يوما عظيما وخرج الملك يسير في مدينته ، فلما نظر إلى الشجرة ، قال لأصحابه : انى أرى شجره بمكان ما كنت اعرفها به ، قالوا له : تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت ان تعذبه بالجوع ، فهو فيما شاء قد شبع منها ، وشبعت الفقيره وشفى لها ابنها فامر بالبيت فهدم ، وبالشجرة لتقطع ، فلما هموا بقطعها ايبسها الله تعالى كما كانت أول مره ، فتركوها ، وامر بجرجيس فبطح على